أبو نصر الفارابي

96

الجمع بين رأيي الحكيمين

ما يعرض لموضوع الاعدام والملكات « 134 » ، فيتغير « 135 » بحيث لا يتغالبان « 136 » عليه . وذلك نوع من الفساد وعدم التهيؤ . فإذا كان ذلك كذلك ، فليس شيء من الاخلاق ، إذا نظر اليه مطلقا بالطبع ، لا يمكن فيه التغيّر والتبدّل . واما أفلاطون ، فإنه ينظر في أنواع السياسات ، وايّها انفع ، وايّها أشد ضررا . فينظر في أحوال قابلي السياسات وفاعليها ، وايّها أسهل قبولا ، وايّها أعسر . ولعمري ان من نشأ « 137 » على خلق من الاخلاق واتفقت له تقويته « 138 » ، يمكن بها من نفسه على خلق من الاخلاق ، فان زوال ذلك عنه يعسر « 139 » جدا . والعسر « 140 » غير الممتنع . وليس ينكر أرسطو ان بعض الناس يمكن فيه التنقّل « 141 » من خلق إلى خلق أسهل ، وفي بعضهم « 142 » أعسر ، على ما صرح به في كتابه المعروف « بنيقوماخيا « 143 » الصغير » ، فإنه عدّ أسباب عسر التنقل من خلق إلى خلق ، وأسباب « 144 » السهولة ، كم هي ، وما هي ، وعلى ايّ جهة كل واحد من تلك الأسباب ، وما العلامات ، وما الموانع . فمن تأمل تلك الأقاويل حق التأمل ، واعطى كل شيء حقه ، عرف ان لا خلاف بين الحكيمين في الحقيقة ؛ وانما ذلك شيء يخيله الظاهر من الأقاويل عندما ينظر واحد واحد منها على انفراد ، من غير أن يتأمل المكان الذي فيه ذلك القول ، ومرتبة العلم الذي هو منه . وهاهنا أصل عظيم الغناء في تصور العلوم ، وخصوصا في أمثال هذه الموانع ، وهو انه « 145 » كما المادّة ، مهما كانت متصورة بصورة ما ثم حدثت فيها صورة أخرى ، صارت مع صورتها جميعا مادة للصورة الثالثة الحادثة فيها ، كالخشب الذي له صورة « 146 » يباين بها سائر الأجسام ، ثم يجعل منها ألواحا ، ثم يجعل من الألواح سريرا . فان صورة السرير ، من حيث حدثت في الألواح مادة لها ، وفي الألواح ، التي هي مادة بالإضافة إلى صورة السرير ، صور كثيرة ، مثل الصور اللوحية والصور الخشبية والصور النباتية وغيرها من الصور القديمة .

--> ( 134 ) « ا » والملكات ؛ « ب » والمكان . ( 135 ) « ا » فيتغير ؛ « ب » فيصير . ( 136 ) « ا » يتقالبان ؛ « ب » يتعاقبان . ( 137 ) « ا » نشأ ؛ « ب » يشاء . ( 138 ) « ا » تقويته ؛ « ب » تربيته . ( 139 ) « ا » يعسر ؛ « ب » بعيد . ( 140 ) « ا » والعسر ؛ « ب » إلى العسر . ( 141 ) « ا » التنقل : ؛ « ب » السفل . ( 142 ) « ا » « ب » وبعضهم ؛ « د » وفي بعضهم . ( 143 ) « ا » بنيقوماخيا ؛ « ب » بنيقومامسن . ( 144 ) « ا » وأسباب ؛ « ب » بأسباب . ( 145 ) كما المادة كما إن . ( 146 ) « ا » له صورة ؛ « ب » وصورة .